الشنقيطي

3

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الجزء الثاني بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة المائدة قوله تعالى : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [ 1 ] . لم يبيّن هنا ما هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حليّة بهيمة الأنعام ؛ ولكنه بينّه بقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ، إلى قوله : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [ المائدة : 3 ] ، فالمذكورات في هذه الآية الكريمة كالموقوذة والمتردّية ، وإن كانت من الأنعام ؛ فإنها تحرم بهذه العوارض . والتحقيق أن الأنعام هي الأزواج الثمانية ، كما قدمنا في سورة آل عمران ، وقد استدل ابن عمر ، وابن عباس ، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا زكيت أمه ووجد في بطنها ميتا . وجاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « أن ذكاة أمّه ذكاة له » كما أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة من حديث أبي سعيد « 1 » . وقال الترمذي : إنه حسن ، ورواه أبو داود عن جابر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . قوله تعالى : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [ 2 ] . يعني إن شئتم ، فلا يدل هذا الامر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال ، ويدل له الاستقرار في القرآن ، فإن كل شيء كان جائزا ، ثم حرّم لموجب ، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب ، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز نحو قوله هنا : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وقوله : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [ الجمعة : 10 ] ، وقوله : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [ البقرة : 187 ] الآية ، وقوله : فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ [ البقرة : 222 ] الآية . ولا ينقض هذا بقوله تعالى : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] الآية ، لأنّ قتلهم كان واجبا قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة سواء قلنا : إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [ التوبة : 2 ] ، أو قلنا : إنها

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الضحايا ، حديث 2827 ، والترمذي في الأطعمة ، حديث 1476 ، وابن ماجة في الذبائح ، حديث 3199 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الضحايا ، حديث 2828 .